الثلاثاء، 15 يوليو 2008

حرب أمريكية . . . بذراع إسرائيلية





















في الثاني عشر من تموز من العام 2006 قام مقاتلو حزب الله بعملية اختطاف مفاجئة لجنديين إسرائيليين بعد مواجهة قتالية ميدانية أسفرت عن مقتل ثمانية جنود إسرائيليين و جرح عدد آخر .

و في ذات اليوم عقد سماحة السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله مؤتمراً صحافياً أوضح فيه أهداف هذه العملية و التي أطلق عليها تسمية :

" الوعد الصادق "

و هي تحرير الأسرى اللبنانيين من سجون الاحتلال الإسرائيلي عبر عملية تفاوض غير مباشرة من خلال طرف ثالث و أعلن أن لا تراجع عن هذه العملية قائلاً :

" لو جاء العالم بأسره لن يتم إطلاق الجنديين الإسرائيليين خارج إطار التفاوض و التبادل "

فكان الرد الإسرائيلي أن شن عدواناً شاملاً في ذات اليوم براً و بحراً و جواً مستهدفاً المدن و القرى و البنى التحتية و المرافق الحيوية العامة من مطارات و محطات وقود و مولدات كهرباء مرتكباً مجازره الوحشية بحق المدنين من نساء و شيوخ و أطفال .

فبدت الحرب من وهلتها الأولى أنها ليست عملية رد على اختطاف بقدر ما هي تنفيذ لخطة كانت معدة مسبقاً و مبرمجة في إطار عام فمستوى الهمجية و الإجرام التي اتسمت بتسلسل تحطيمي منظم يوضح بُعد هذه الحرب عن السبب الذي أدى لحدوثها .

و حسب أقوال السيد حسن نصر الله أن ما قام به العدو الصهيوني ما هو إلا عملية تصفية حساب مع الشعب و المقاومة و الدولة و المناطق و القرى التي ألحقت الهزيمة بالعدو الصهيوني في الخامس و العشرين من أيار عام 2000 فهي إذاً حرب ثأرية .

هذه الحرب و ضعت المقاومة و من حولها الشعب اللبناني أمام خيارين فإما المواجهة و الصبر ، أو الخضوع للشروط التي يريد العدو الصهيوني إملاءها و بضغط و تأييد و دعم أمريكي و دولي و للأسف عربي .

فيدخل لبنان بهذا العصر الأمريكي – الإسرائيلي الذي بدأ يروج له المحافظون الجدد منذ استلامهم دفة السلطة بهدف السيطرة على العالم عبر ما يسمونه بـ :

" الشرق الأوسط الجديد "

حيث أعلنت الإدراة الأمريكية صراحة أن هدفها في هذا الجزء من العالم هو إعادة رسم خارطة جيو - سياسية جديدة للشرق الأوسط بما يعزز من دور إسرائيل في هذه المنطقة و يمدها بكل أسباب القوة و التفوق و تقسيم المنطقة إلى أثنيات و طائفيات متناحرة متقاتلة تعتمد ديناميات التدمير الذاتي وفق خطة " الفوضى الخلاقة " و ما شاكل من تسميات تحمل مضمون تدميري لكامل بنيتنا الاجتماعية و القومية و الحضارية و الإنسانية .

و حجر العثرة الوحيد في طريق هذا الشرق الأوسط الجديد هي " حركات المقاومة " في كل من فلسطين و لبنان و على مستوى الأنظمة بشكل أساسي "سوريا و إيران" فالمطلوب إذاً العمل للقضاء على تلك العقبات و إزالتها من طريق المشروع الأمريكي التاريخي الذي يعد لهذه المنطقة .

و فيما يخص لبنان تحديداً

فقد كانت هناك خلال عام كامل قبل الحرب جهود أمريكية مباشرة و غير مباشرة و مراقبة للأوضاع الداخلية و تطوراتها ، و لما اتضح للأمريكان أنه ما من قوى سياسية في لبنان قبلت بالقضاء على تيار المقاومة على الأقل - علانيةً - و عندما فوجئوا بحجم الالتفاف الشعبي حول هذه المقاومة و قوة تحالفاتها الداخلية حاولوا في اتجاه آخر و هو إدخال حزب الله في الحكومة و السلطة و إشغاله بالمناصب والإدارات علّ هذا يدفعه إلى التراجع عن مسؤولياته الجهادية التي آمن بها و بما أن هذا لم ينجح أيضاً حاولوا على المستوى الإقليمي على أصدقاء المقاومة في ( سوريا و إيران ) للمساومة على المقاومة في كل من فلسطين و لبنان ولما لم يفلحوا في هذه أيضاً .

لم يبقَ أمامهم سوى جهة واحدة يمكن التعويل عليها لتوجيه ضربة قاضية للمقاومة و هي حرب صهيونية على لبنان .







فلقد كانت قوات العدو قبل الحرب بأشهر قليلة ( و الكلام للسيد حسن نصر الله ) تجري مناورات خصوصاً في شمال فلسطين المحتلة و جنوبها و التي يبدو أنها كانت تحضيرات للحرب على لبنان و أن العدوان كان مخطط له بتوقيت ما بين أواخر أيلول و أوائل تشرين الأول 2006، إلا أن الصهاينة كانوا بحاجة لبعض المعطيات و المعلومات الاستخبارية لاستكمال خطتهم الحربية التي يفترض تنفيذها في أيلول أو تشرين الأول .

و كانت الخطة تقتضي أن يقوم العدو الصهيوني دفعة واحدة بسبب أو بدون سبب بذريعة أو بدون ذريعة خصوصاً و هو يحظى بتأييد دولي و بغطاء من أكثر من مكان في العالم - بحملة برية قوية تسيطر على منطقة جنوب الليطاني لمنع إطلاق صواريخ الكاتيوشا من تلك المنطقة و في نفس الوقت يقوم سلاح الجو الإسرائيلي بضرب جميع بيوت قيادات حزب الله و البنية التحتية اللبنانية بما يؤدي إلى شلل تام في حركة المقاومة و في حركة البلد و تحريض الشارع اللبناني على المقاومة و إفقاد المقاومة القدرة على استعادة المبادرة و إلحاق الضربة القاضية بها التي لا يمكن أن تقوم لها قائمة بعدها على الإطلاق .

هذا ما كان يحضّر ، و لو لم يقم حزب الله بعملية الأسر هذه لنفذت الخطة في أيلول أو تشرين الأول .

ولكن عندما قام حزب الله بعملية أسر الجنديين فإنه من حيث لا يعلم أحبط الخطة الأخطر التي كانت تحضر للحرب على لبنان و المقاومة .

فجعلت هذه العملية العدو في وضع صعب و في حالة إذلال و هو لا يمكنه أن يتحمل هذه الضربة فاستعجل الحرب و هذا الاستعجال جعله يفقد عنصر المفاجأة فالسيناريو الذي كان قد أعده يعتمد بشكل أساسي على عنصر المفاجأة .

حيث كان سيتمكن في حال غفلة المقاومة من الإجهاز عليها إجهازاً كاملاً و بأقل الخسائر من جانبه .

إذاً فقد العدو عنصر المفاجأة و بالإضافة إلى هذا اضطر للإقدام على هذه العملية قبل استكمال المعلومات و المعطيات و التحضيرات اللازمة المكملة لهذه العملية و التي كان يمكن أن تساعد على نجاحها .

- إذاً لا يمكن القول بحال من الأحوال أن المقاومة قد أخطأت التقدير بقيامها بعملية الأسر أو أنها أعطت العدو الذريعة ليقدم على الحرب فالحرب كانت معدة مسبقاً و آتية لا محالة لذا فعملية الأسر هذه جعلت المقاومة مستعدة و في حالة جهوزية كاملة للرد .

المواقف من العملية

أولاً : في الداخل اللبناني :

سارعت بعض القوى السياسية إلى انتقاد المقاومة على عملية الأسر تلك مصدقة أنها السبب المباشر للحرب و بدأت بعض الأصوات تحمِل المقاومة مسؤوليات و تبعات العملية .

ثانياً : على المستوى العربي :

بدأت المواقف تتكشف عما يشبه التغطية السياسية للعدوان الإسرائيلي حيث حملت المملكة العربية السعودية المقاومة مسؤولية توريط لبنان في "مغامرة غير محسوبة" .





فأطلق السيد حسن نصر الله قولته التي رد فيها على هذا الاتهام :

" نحن مغامرون نحن في حفظ الله مغامرون نعم . . . و لكننا مغامرون منذ عام 1982 ، لم نجر على بلدنا سوى النصر و الحرية و التحرير و الشرف و الكرامة و الرأس المرفوع . . . هذا هو تاريخنا هذه هي مغامرتنا . . . في عام 1982 قلتم عنا و قال عنا العالم أننا مجانين . . . و أثبتنا أننا العقلاء . . . أما من هم المجانين . . . هذا شأن آخر لا أريد أن أدخل في سجال مع أحد أقول لكم : راهنوا على عقلكم . . . و سنراهن على مغامرتنا . . . و الله ناصرنا و معيننا " .

أما مصر فانتقدت عدم التنسيق بين المقاومة و الحكومة .

فبدت هذه المواقف مجتمعة كمحاولات لتعرية المقاومة داخلياً و كشفها عربياً و إعطاء ضوء أخضر ضمني لبدء الحملة العسكرية على لبنان أو على الأقل تغطية سياسية كافية لضرب المقاومة و شن العدوان على لبنان .

و بعد أيام من بدء الحرب عقد في القاهرة اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب و الذي كشف عن عجز عربي فاضح طفت على الساحة التناقضات الكبيرة في المواقف العربية .



فأطل الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ليعلن موت عملية السلام و فشلها في وضع حد للصراع العربي الإسرائيلي كما أعلن وضع العملية السلمية برمتها في عهدة مجلس الأمن الدولي و منظمة الأمم المتحدة .

ثلاثة و ثلاثون يوماً من التدمير المتواصل

على الجانب اللبناني

استمرت الحرب التدميرية الشاملة ثلاثة وثلاثين يوماً انتهك خلالها العدو الصهيوني كل الأعراف و المواثيق و المعاهدات الدولية التي تحظر التعرض للمدنيين .

كلفت هذه الحرب لبنان نحو ( 1200 ) شهيد و أكثر من ( 4400 ) جريح و دماراً هائلاً في البنية السكنية و البنى التحتية حيث تم تدمير ( 78 ) جسراً بالإضافة إلى قطاعات اقتصادية مختلفة .

كما أدت إلى نزوح نحو ربع سكان البلاد من أماكن سكنهم في اتجاه المناطق المفترض أنها أكثر أمناً ، كما أسفرت عن تنفيذ أكبر عملية إجلاء للآلاف من الرعايا الأجانب و العرب الذين كانوا في لبنان .


على الجانب الإسرائيلي

لم تكن آثار الحرب أقل ضراوة إذ دكّ حزب الله بمئات الصواريخ و للمرة الأولى شمال إسرائيل وصولاً إلى حيفا ويافا و عكا و طبريا و الناصرة ما أدى إلى مقتل ( 103 ) من الجنود الإٍسرائيليين و ( 40 ) مدنياً و مئات الجرحى و خسائر اقتصادية كبيرة فنجح حزب الله في شلِ الحياة الاجتماعية و الاقتصادية في المنطقة الشمالية .

ما حصل في تموز إذاً هو حرب إسرائيلية - أمريكية لضرب كل عناصر المنعة و القوة في لبنان و استهدافه بمقاومته و شعبه و دولته ، وذلك لفرض واقع سياسي جديد يتوافق و الرؤية الأمريكية لشرق أوسط جديد تكون فيه إسرائيل هي المحور الأساس الذي تدور في فلكه كيانات هشة تسمى دولاً عربية غارقة في صراعاتها التي لا حدود لها وبهذا تتحقق الهيمنة الأمريكية الكاملة على المنطقة.

كانت آخر الغارات الإسرائيلية في 15 أغسطس 2006 و بعد 15 دقيقة من القصف دخل تطبيق قرار " وقف الأعمال العدائية " الذي نص عليه القرار 1701 لمجلس الأمن الدولي حيز التنفيذ ، و الذي نصّ على إنهاء العمليات العسكرية الهجومية الإسرائيلية ، و إنهاء هجمات حزب الله على إسرائيل ، و انتشار قوة دولية من 15000جندي لحفظ السلام مع انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب .

تداعيات الانسحاب الإسرائيلي

بعد وقف إطلاق النار ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت كلمة في الكنيست يستعرض ما اعتبره إنجازات الجيش الإسرائيلي في لبنان و ما حققته إسرائيل من هذه المعارك و لكنه قوطع بأصوات معارضة في البرلمان الإسرائيلي و بخاصة من جانب النائب العربي " أحمد الطيبي" حيث قال مقاطعاً : " هل هذا بيان انتصار ؟ هل انتصرتم ؟ لقد هزمتم يا سيد أولمرت ! " و قال له : " هل تهدد بالاغتيالات ؟ ماذا عن وقف إطلاق النار مرة ثانية ؟" عندها صرخ الوزير زئيف بويم على النائب الطيبي قائلاً : " أنت مندوب لحزب الله . . أنت عميل لنصر الله ! " و رد الوزير الطيبي صارخاً : " اخرس ! أنت وزير وقح ، و هكذا حكومتكم تضم وزراء سوقيين "


هل تحقق الهدف الأمريكي الإسرائيلي من هذه الحرب ؟

إن لكل حرب هدفاً استراتيجياً أي بعيد المدى يترافق مع خطوات تكتيكية باتجاه الهدف الاستراتيجي .

ما هو الهدف الأمريكي الصهيوني البعيد من وراء تلك الحرب ؟



- الهدف هو القضاء على لبنان و من ثم الاستيلاء عليه عبر خطوات تكتيكية تتلخص فيما يلي :

- ضرب المقاومة في لبنان و فك الارتباط بينها و بين شعبها .

- ضرب البنية التحتية الثقافية و الاقتصادية و الاجتماعية لحركة المقاومة .


- فرض معادلة سياسية تجبر حزب الله على تسليم سلاحه .

و لكن . . . ماذا كانت النتيجة ؟

- إن المقاومة و حزب الله تحديدا ًخرج من هذه الحرب أكثر منعة و قوة و احتراماً و احتضاناً من شعب لبنان و كل الشعوب العربية و الإسلامية الصديقة فزاد الالتحام بين المقاومة وقاعدتها الشعبية .

- ما حصل شكل ضربة قاصمة للغطرسة الإسرائيلية هزت ثقة هذا الكيان الغاصب بقدراته فإسرائيل التي تعودت الانتصارات السريعة في حروبها استهزأت بالعدو و لم تحسب له الحساب الكافي فاعتقدت خاطئة أن الحرب ستكون سهلة و غير مكلفة و أنه ستكون فعالة في ضرب بنية المقاومة و تفكيكها .


- إن تعثر السياسة الأمريكية في لبنان سيعرقل إلى حد بعيد قيام مشروع " الشرق الأوسط الجديد " .

- و كعادة إسرائيل بعد تعرضها لزلزال عسكري فإنها تعمد إلى تشكيل لجنة تكون غايتها تحري أسباب الضعف بشرط التستر على النقاط المتعلقة بمصلحة الدولة و الحفاظ على المعنويات و كتمان الأسرار الهامة و لا سيما أسماء العملاء .


- فبعد فشل حرب تموز قام أولمرت بتشكيل لجنة اختار لها أعضاءها بنفسه ترأسها القاضي " إلياهو فينوغراد " و الذي صدر التقرير باسمه فيما بعد فخلصت اللجنة إلى ما يلي :


- أن الحرب كانت خيبة أمل كبيرة و خطيرة يتحمل مسؤوليتها أساساً الجيش و لكن شارك فيها أيضاً الضعف الذي أبداه المستوى السياسي .


- شدد التقرير على خيبة أمل الشعب الإسرائيلي من نتائج هذه الحرب .

- جاء في التقرير أن الجيش الصهيوني واجه في حرب تموز تنظيماً شبه عسكري مكونا ًمن بضعة آلاف من المقاتلين صمد في وجه الجيش الأقوى في الشرق الأوسط و الذي يحظى بتفوق جوي مطلق و مزايا في الحجم و التكنولوجيا لكنه لم يرد رداً فعالا ًلإطلاق الصواريخ الذي تواصلت كل أيام الحرب حيث ترك كثير من السكان بيوتهم أو أقاموا في الملاجئ لقد خرجت إسرائيل إلى حرب طويلة بادرت هي إليها و انتهت من دون أن تنتصر بها بشكل واضح من الناحية العسكرية .


- و أن الجيش فشل بشكل قاطع و تصرف في لبنان كجيش يخاف من وقوع الخسائر في صفوفه .

- و حسب قول " آفي كوب " أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان الإسرائيلية فإن هذه الحرب جمعت شروطاً ملائمة جداً لن تجتمع ثانية و هي :


1- الوفاق الداخلي .
2- الدعم الدولي مرفقاً بدعم بعض الدول العربية .
3- امتلاك الوقت الكافي لتحقيق أهداف الحرب .

إلا أن إسرائيل لم تحسن استخدامها ما جعل القادة السياسيين الإسرائيليين بعد الحرب يشعرون بأنهم فوتوا فرصة ذهبية .

و في استطلاع للرأي العام الإسرائيلي في أعقاب الحرب و الهزيمة مباشرة أكد الاستطلاع على ما يلي :

1- أن القيادة الإسرائيلية التي قادت الحرب العدواني على
لبنان لم تعد تحظى بثقة الإسرائيليين .

2- لم تعد تعتبر دولة إسرائيل ملاذا آمناً لأكثر من ثلثي
الإسرائيليين .

3- أعرب أكثر من سبعين بالمئة من الإسرائيليين عن انعدام ثقتهم و بشكل مطلق بصورة إسرائيل السياسية الأمنية .

قال" شمعون بيريز " في أيام العدوان حين بدأت تتبدى مظاهر التعثر و الفشل محذراً من عواقب فشل هذه الحرب .



" إن مصير هذه الحرب يضعنا و يضع الدولة بين خيارين ، إما الحياة و إما الموت "

و سابقاً قال بن غوريون :

" إسرائيل ممكن أن تهزم العرب مئة مرة و لكن إن هزمت مرة واحدة فيعني ذلك نهايتها "



يافا


ليست هناك تعليقات: